Taste of Cherry

Taste of Cherry ★★★★★

محاولة التعاطى التقليدية مع أفلام (كيارستمى) سرعان ما تقود المُشاهد إلى طريق مسدود. أفلامه لا تحتوى على إرشادات واضحة و حوارات مباشرة لتبين مقاصده و أهدافه, و أسئلة تكتفى بالتعامل مع أحداث الفيلم بشكل سطحى تغفل و تنتقص الكثير من سحر و جاذبية أعماله. فمغزى فيلم (طعم الكرز) ,على سبيل المثال, لا يقتصر على انتحار (بديعى) من عدمه. فـ (كيارستمى) يقدم لنا الشخصية من بداية الفيلم دون التعريف بهويته أو أزمته. فما هى وظيفته؟ أين أهله و عائلته و أصدقاؤه؟ ما هى دوافعه للانتحار؟ لا يُعنى (كيارستمى) بتلك الأبعاد و التفاصيل, داعياً بذلك إلى نبذ أى تفسير سيكولوجى أو سوسيولوجى أو حتى سياسى لعمله. فـ (بديعى) هنا هو رمز للصراع الإنسانى المحض القائم منذ الأزل بين الحياة و الموت, الوجود و العدم, الخلود و الفناء, دون التطرق لأية اعتبارات أخرى, واضعاً الإنسان وجهاً لوجه أمام مصيره المحتوم.

"هو أشبه بواحدة من رسومات الرجال الصغار التى يضعها المهندسون المعماريون فى تصميماتهم الأولية لإظهار حجم و مقياس المبانى مقارنةً بالكائن البشرى."

و لكن لا يعنى تحول شخصية (بديعى) إلى رمز للحياة ضد الموت أن يصير مجرد وعاء مُفرغ من أى أبعاد إنسانية ذاتية على غرار ما نراه فى بعض أفلام (يوسف شاهين) الأخيرة, حيث تتحول الشخصيات إلى مجرد أبواق معبرة عن فكر المؤلف فى سجال ايديولوجى رطين و تغفل فى ذلك الجانب الدرامى للفيلم, و يتخذ العمل الفنى نبرة خطابية وعظية مباشرة تعتمد على التلقين, و تصير العلاقة بين المخرج و الجمهور أشبه بعلاقة المعلم بتلميذه. لكن ذلك ما يرفضه (كيارستمى) و يفضل معاملة جمهوره معاملة الند بالند. فيظل (بديعى) محتظفاً بجانبه الشخصى الإنسانى, أحجية مبهمة و لغز غامض, ممتلئ بالتناقضات, يترنح على حبل مشدود بين قمتين لا أثر لسفحيهما, و نحن -المُشاهدين- نعايش ذلك الصراع الداخلى و نتماهى مع شخصية (بديعى) من خلال انغماسنا و انخراطنا فى سردية الفيلم و التى تكشف لنا من تعاقب و توالى أحداثها الجوانب المتعددة و المتابينة لشخصيته.

و يعود (كيارستمى) ليؤكد على ذلك من جديد فى نهاية الفيلم. فبعد إظلام الشاشة لما يقارب الدقيقتين, تضئ مجدداً بشكل فجائى على لقطات مُصورة بكاميرا ديجيتال لكواليس الفيلم, فنرى (بديعى) يدخن سيجارة, و عمال الفيلم يعدون المشهد التالى بتوجيهات من (كيارستمى).

"أحياناً أحسد المسرح, خصوصاً تلك اللحظة ,عقب انتهاء المسرحية, و بينما لا يزال الجمهور مأسوراً بالقصة و العواطف الجياشة, تُرفع الستار, و ينهض الممثل الذى مات لتوه ليحيى الجمهور. هذا ليس ممكنا فى السينما لأن المتفرج يشكل علاقة تبادلية تكافلية مع الشخصية على الشاشة. و تلك العلاقة لا تنقطع بنهاية الفيلم, فيتناسى المتفرج القصة و يظل مرتبطاً بالبطل, الشخصية, الممثل."

بكسر الحائط الرابع (و الانتقال من التصوير بفيلم إلى ديجيتال يعزز من صدمة ذلك الانتقال المفاجئ) يرفض (كيارستمى) أن يعطينا نهاية صريحة و ختام ,مبهج أو مؤسف, لصراع (بديعى), محافظاً بذلك على أجواء القلق و التوتر التى تختلج فى أعماق الجمهور, داعياً المُشاهد إلى وضع ثوابته موضع البحث و التمحيص, و يوجه إلى ذاته نفس الأسئلة التى ظلت تؤرق (بديعى) طيلة الفيلم. فسينما (كيارستمى) لا تقدم إجابة شافية, بل تكتفى بتقديم التفاصيل الكافية اليسيرة لتتيح للمُشاهد إمكانية ملء الفراغات كيفما يشاء له, ليكمل فيلمه الخاص به, و يصل إلى الاستنتاج المتوافق مع ذاته, والإجابة التى تعيد الراحة و السكينة إلى أساريره.
سينما (كيارستمى) تنبذ المشاهدة السلبية, حيث يصير المتفرج رهينة فى قبضة المخرج ليطوعها حسب رغباته, و إنما تدعو الجمهور إلى التفاعل الإيجابى مع معطياتها و أحداثها و أفكارها, فيصير المُشاهد بذلك عضواً فعالاً و مشاركاً مستقلاً فى العميلة القصصية, شأنه فى ذلك شأن مؤلف الفيلم.

و لعلنا لا نستطيع التطرق إلى فيلم (طعم الكرز) دون ذكر رباعيات (عمر الخيام), المُفكر و الشاعر الفارسى الذى عاش فى القرنين الحادى عشر و الثانى العشر, و الذى كثيراً ما تناولت قصائده مواضيع الموت و الفناء و العدم. و فيلم (طعم الكرز) هو قصيدة سينمائية على غرار رباعيات (الخيام) و امتداد لتراث فارسى يعود لمئات السنين.

"أحب بساطة قصائده و دقتها و براعتها فى الإيجاز. لقراءة شعره التأثير ذاته الذى تمارسه صفعة قوية على الوجه. هو باستمرار يُذكرنا بحضور الموت و الحاجة للتعايش معه. قصائده تجعلنا نقف مباشرةً أمام الموت و تحثنا , دون أن تكون متشائمة, إلى أن نصبح واعيين لوضعنا الإنسانى, و لكن هذا فقط لتمجيد فضائل و مزايا الحياة."

ملحوظة: اقتباسات (كيارستمى) من كتاب "عباس كيارستمى: سينما مُطرزة بالبراءة - أمين صالح"
و يمكن الحصول على نسخة إلكترونية له من هنا
www.cinematechhaddad.com/Cinematech/Cinematech_Special/Ameen/AmeenBooks/Ameen_Book_7.HTM